رُهاب الشتيمة

يخاف المسؤول في لبنان من الشتيمة، فيتعامل معها وكأنّها خرقٌ للأمن القومي أو سببٌ لحربٍ شعواء أو إحتلال لأراضي الوطن. وحالما تتواتر الى أذنيه عبارات مسيئة بحقّه أو شكُ أو إستفهام عن أدائه في السلطة وعن شفافية دوره أو إستقامته في الحياة السياسية تتأهّب الدولة بأجهزتها القضائية والأمنية لتقتصّ من الإرهابي أو العدوّ الغاشم الذي أطلق هذه العبارات حبساً أو غرامةً مالية وبالتالي إعتذاراً علنيا يتراجع فيه عن أقواله. وهكذا يستردّ المسؤول الاحترام الكليّ لكرامته وتحفظ الدولة هيبتها عبر نعت من تجرّأ على إطلاق العبارات المسيئة بأنّه مجرّد أخرق لا يعي ما يقول وبأنّه بمثابة طالب في الصفوف الإبتدائية على مقاعد السلطة وكان يجب تأديبه وتلقينه درساً كي لا يجرؤ على هكذا فعل في المرّة المقبلة.

ولكي يفهم هذا الفرد أنّه مجرّد كائن صغير في بلد العمالقة والسلاطين حيث لا يجوز المسّ حتى بنعال المسؤولين أو جزماتهم. فنحن في زمن الجزمة ونحن لم نكد ننسى طعمها حتى عادت صلبة، قويّة ومتوهجة!وهذا ما نصّ عليه القانون في العديد من نصوصه لا سيما قانون العقوبات رغم أنف الدستور الذي ينادي بالحريات، الا أن هذه القوانين العادية أتت لتتحايل على الدستور وعلى تكريسه حريات الأفراد.

 

فالذمّ والقدح والتحقير في الجرائم على السلطة العامة وغيرها من المفاهيم القانونية المطاطية هي الأسلاك الشائكة التي تُنصب في وجه حرية الرأي والتعبير. وفي حال إشتبه مسؤولٌ بفعل تنطبق عليه هذه المفاهيم يحرّك دعواه في القضاء وفي بعض الحالات تتحرّك الدعاوى من تلقاء نفسها بهمة النيابات العامة الساهرة والنشيطة.

 

ترتاب السلطة من الشتيمة التي تقضّ مضاجع المسؤولين وتهزّ ضمائرهم وعنفوانهم وتنشر حالة من ذعر الكرامات والهيبات والنفوذ والمساس بالأعراض.
يذهلني كم هي هشّة هذه الدولة أمام الشتيمة، وكأنّها سنبلة مكسورة أصلا في وجه الرياح العاتية فتضع القوانين لتحمي نفسها من عبارات متطايرة في الهواء لم يكن لها أيّ تأثير عليها يوما ولكنّها في مكان من العنجهية والغطرسة والتكبّر لا تسمح فيه لمواطن مقهور أن يقول ما يختلج في داخله.

يذهلني كيف تخاف السلطة على مقاماتها ومواقعها من شتيمة، ولا يهتزّ عرشها حتى عندما تصل بالبلد الى الانهيار عبر سياساتها الخرقاء أو تطاول المسؤولين فيها على مقدّراتها. “الدولة بلبنان بنصّ دين الانهيار بتترك كل المصايب اللي عندا لتحطّ عقلها بعقل مواطن مفجوع” مواطن أحسّ بالغضب والظلم وبالعجز فقال ما قاله على فورة غضب.

 

فإذا ماذا تقول لنا السلطة من خلال هذه الممارسات؟
هي لا تقمع حرية الرأي والتعبير فقط، إلا أنّ الأخطر من هذا كلّه القيود التي تفرضها السلطة على أحاسيسنا وعواطفنا وحقّنا كمواطنين بالغضب والحزن والتفاعل، فنتساءل هل نحن في فيلم جمهوريةEquilibrium  حيث الشعور والتعبير جرائم يعاقب عليها القانون. هل يعطوننا من خلال هذه الممارسات جرعاتنا اليومية من الكبت لنصبح كالمياه الراكدة في المستنقعات؟

 

فهل نحن جيل تمّ تدجينه من خلال هذه القوانين واليوم تمعن السلطة في تقوية جرعات التدجين ، فما إكتفت بالقوانين التي حدّت من حرية التعبير في كل وسائل النشر وكل المساحات المباحة أو المفتوحة للجمهور فهي في أحدث إنجازانها أقرّت قانوناً استباحت فيه أيضا الفضاء الالكتروني والصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.إنسلّت السلطة الى هناك أيضا ووضعت قيودها وحرّمت كلّ ما من شأنه أن يخضّ هناءتها ونعيمها من خلال قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي.

يا أيّها السلطويون والمعتدّون بأنفسكم ربما نقول لكم اليوم :لا تجزعوا من الشتيمة فنصفنا نيامٌ لا يتأثّر والشتيمة لن تفعل فعلها فيه ولن تقود الى ثورة أو تغيير، أما نصفنا الآخر فهو مستزلمّ او عاشق للجزمات. ونحن لو كنّا مسؤولين لكنّا شتمنا أنفسنا آلاف المرّات كلّما لاحت ظلالنا في أيّ شيء يعكسها.

هذا هو المشهد الذي تطمحون اليه، لكن نقول لكم أيضا نحن حراك يؤمن بالحرية والمساواة في الحقوق والكرامة الانسانية، نقول لكم أن لا تناموا على حرير ، نحن ولدنا وفي جيناتنا تاريخ الحرية محفور وإن فاتنا معناها فلا بدّ أن نتذكّر يوما، لا بدّ أنّ يستفيق حمضنا النووي.

رولا نجم أبو مراد – صحافية وباحثة في مجال حقوق الانسان

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*