وفي البدء كانت الحريّة

في البدء كانت الكلمة والكلمة أضحت فكرة والفكرة أصبحت تعبيرا والتعبير ولّد الحريّة.

ألسنا ننشد الحريّة من بطون أمهّاتنا، نترك ذلك المهد الدافئ والحامي من كل خطر، نترك ذلك المكان الحصين رغم ضعفنا المميت لنخرج الى الحريّة.

يقطعون لنا الحبل السري، حبل الخلاص أو حبل الحياة لنتحرّر وننطلق في مشوار الحريّة مطلقين صرختنا الأولى. ربما هي صرخة غضب أو صرخة خوف أو ربما هو فرح عظيم إحتفالا بالحياة، ولكننا نطلق تلك الصرخة الأولى.

منذ نعومة أظافرنا نعرف حريّة التعبير، تولد معنا لكن يبدو أنّنا ننساها على الدرب الطويل. يبدأ تشذيبها في البيت مع كثرة “اللاءات” المبرّرة وغير المبرّرة أحيانا، تُروّض على مقاعد الدراسة حيث الإنصياع والإنضباط والطاعة عناوين هذه المرحلة في حياة كلّ واحد منّا ، لتستلمنا السلطة أفرادا جاهزين للخضوع ولو بطريقة حضارية، خائفين من التعبير أو على الأقلّ متردّدين حياله.

ما هي هذه الفلسفة؟ فلسفة حرية الرأي والتعبير؟ مفهوم تحيّرت الحكومات والأنظمة في كيفية فهمه وإحتوائه محاولة تارة في تبجيله وإيهام النّاس بحقّهم بالتمتّع به ومصرّة طورًا على الحدّ منه تحت عناوين عديدة.

إذا كانت حرية التعبير تتناولكم يا أيّها الحكّام بظلم من نوعٍ ما لماذا لا تردّون على الظلم بالبراهين التي تدحض هذا الإفتراء؟ أم أنّ لعبة البراهين وبراءات الذمّة لعبة شائكة ومعقّدة لذلك من الأسهل الملاحقات والتوقيفات والحبس والغرامات المالية كما تنصّ قوانينكم؟

لماذا دائما يضيع الموضوع الأساس الذي تعبّر عنه الجماهير في ضوضاء التطاول على الزعيم أو الفرعون أو السلطان؟ من أنتم على تلك الكراسي؟ لماذا تتعاطون مع الناس من عليائكم؟ لماذا فخامتكم أهمّ شأنا من الجماهير رغم علاّتكم وإخفاقاتكم وإنجازاتكم الوهمية؟

هل برأيكم تهوى الجماهير فقط التطاول عليكم أو الكلام على فسادكم وفشلكم وغبائكم في إدارة بلد صغير كلبنان؟ أوليس الواقع كما نصف ونقول؟

هل نحن مجرد هواة تطاول على السلطة؟ أم أنّ حرية التعبير موضة نستخدمها للحصول على الأضواء رغم الإذلال الذي نتعرض له على أيدي أجهزتكم الأمنية بسوط قوانينكم القابضة على حناجرنا؟

هل نحن شعب موهوم أنّنا في بلد مأزوم؟ هل نحن شعب “ممحون” يريد فقط أن يعبّر عن وصوله الى الحضيض بسببكم؟ يريد أن يقول أنكم خذلتموه أكثر من مرّة ولا زلتم؟

لن تكفيكم القوانين الملتوية والمتحايلة على الحرية لإسكاتنا ولإرهابنا ستبقى حناجرنا صادحة وسنقول لكم ما لدينا شاء من شاء وأبى من أبى. وهي عبارة يتغنى بها معظمكم.

نحن منذ الولادة قطعنا الحبل السري من أجل الحريّة وسوف نقطع لكم حبل إستبدادكم الذي طال. فنحن نقرّر مصيرنا ونحن نصون قوانينا الحامية للحريّات ولحقوق الإنسان.

رولا نجم أبو مراد – صحافية وباحثة في مجال حقوق الانسان

 

 

 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*